Referral link

القائمة الرئيسية

الصفحات

 

Part 6❤️


انتهت المسافات، وبدأ الحصار. لقاءٌ يختصر سنوات من الصمت، وعشقٌ يرفض أن يكون عادياً. هنا، تسقط الأقنعة ويبقى الهوس سيد الموقف، معلناً أن القادم ليس مجرد حكاية، بل هو احتلالٌ أبدي للروح."




بخطوات واثقة وهيبة طاغية وحضور خاطف للانفاس شق "جاسر" ردهة الشركة وصوت وقع حذائه على الرخام المصقول يفرض صمتاً مفاجئاً في المكان  صعد إلى مكتبه في الطابق الأخير 

‏المكتب:

‏كان المكتب يجسد الفخامة العصرية مساحة شاسعة بجدران زجاجية تطل على أفق المدينة بالكامل  يتوسط الغرفة مكتب ضخم من خشب "الأبنوس" الأسود اللامع يعلوه طقم مكتبي من الجلد الطبيعي وجهاز كمبيوتر فائق النحافة  خلف المكتب يمتد مقعد جلدي وثير بمسند مرتفع بينما ركن الاستقبال يضم أريكة "تشيستر فيلد" كلاسيكية بلون كحلي غامق و الإضاءة كانت مخفية وتنساب بنعومة من السقف مما يعطي انطباعاً بالقوة والهدوء في آن واحد 

‏دلف "عثمان" خلفه، يغلق الباب بهدوء وهو يراقب ملامح جاسر الجادة لم تمر لحظات حتى طرقت السكرتيرة الباب برقة ودخلت وهي تحمل ملفاً جلدياً أنيقاً قائلة بمهنية: "أوراق الاتفاقية الجديدة يا فندم محتاجة مراجعة وتوقيع حضرتك" 

‏تناول جاسر الملف دون أن يرفع عينيه عن عثمان وقال بنبرة آمرة وهادئة: "سيبي الأوراق.. وابعتي لي هيثم فوراً"  انصرفت السكرتيرة لتنفيذ الأمر وبعد دقائق معدودة، كان "هيثم" يطرق الباب ويدخل متأهباً 

‏تراجع "جاسر" بظهره على مقعده الجلدي الوثير، شابكاً أصابعه أمام وجهه وعيناه الصقريتان تخترقان "هيثم" الذي وقف بطلة واثقة، وبنبرة رخيمة سأل جاسر: "ها يا هيثم.. عملت إيه في اتفاقية ألمانيا؟ مش عايز أي غلطه"

‏ابتسم هيثم بهدوء وهو يفتح ملفاً رقمياً على جهازه اللوحي، ورد بلهجة مطمئنة: "بعتوا الإيميل النهائي يا باشا، ومدير الحسابات راجع كل البنود والتحويلات البنكية، وكل حاجة مظبوطة بالملّي.. الاتفاقية جاهزة على إمضاء حضرتك بس."

‏هزّ جاسر رأسه ببطء وعلامات الرضا بدأت ترتسم على ملامحه الصارمة 

‏فتح "جاسر" باب غرفة الاجتماعات بهدوء واثق، ولم ينتظر أن يُلقي أحد التحية بل فرض حضوره بصمته الغرفة كانت باردة يسكنها خمسة من الألمان من ضمنهم صوفيا رئيس التنفيذي يقف رأسهم "مستر هانز" الذي بادر بالنظر لساعته بتعقّب.

‏جاسر لم يجلس فوراً بل وقف عند رأس الطاولة، وبدأ يتحدث بلغة ألمانية طلقة ونبرة حادة كالسيف: "سيد هانز في عالم البيزنس القيمة لا تُقاس بالدقائق بل بالنتائج التي سنوقعها الآن."

‏اتسعت عينا "هانز" قليلاً من المفاجأة، ثم حاول استعادة السيطرة قائلاً: "السيد جاسر نحن هنا لأننا نقدر وقتنا وشروطنا الأخيرة في العقد بخصوص نسبة الأرباح السنوية غير قابلة للتفاوض."

‏ابتسم جاسر ابتسامة باردة، ورمى الملف أمام "هيثم" الذي فتحه فوراً على شاشة العرض الكبيرة، وقال جاسر وهو يجلس ببطء ويضع قدماً فوق الأخرى: "أنا لا أتفاوض على النسبة يا هانز.. أنا أمنحكم حق الدخول للسوق المصري من خلال مجموعة الحربي وهذا بحد ذاته يرفع حصتكم السوقية 20%. لذا البند رقم 4 سيُعدل الآن لصالحنا، أو يمكنكم اعتبار القهوة التي شربتموها هي مكسبكم الوحيد من هذه الرحلة وتتفضلوا برا من غير مطرود"

‏ساد صمت مرير في الغرفة وتبادل أعضاء الوفد الألماني نظرات متوترة، بينما كان عثمان يراقب بابتسامة خفية كيف يُدير "جاسر " الطاولة لصالحه في ثوانٍ

‏عند  شجن 

‏إضاءة خافتة نوعاً ما أكوام من الملفات أمامها وصوت طنين التكييف يملأ الفراغ.

‏(شجن تجلس خلف مكتبها تسند رأسها بكف يدها وتنظر للفراغ بشرود وتعب واضح يقطع صمتها رنين هاتفها.. "دعاء". تأخذ نفساً عميقاً وتحاول رسم نبرة طبيعية قبل الرد)

‏شجن (بصوت مبحوح هادئ): أيوة يا دعاء..

‏دعاء (بلهفة وصوت في قلق): أيوة يا حبيبتي، طمنيني عليكي، عاملة إيه النهاردة في الشغل؟

‏شجن (تحاول الابتسام بصعوبة): كويسة.. الحمد لله، أنتي عاملة إيه؟

‏دعاء (تصمت للحظة، نبرتها تتحول للشك والقلق): مالك يا شجن؟ صوتك مش عاجبني خالص.. فيه إيه اللي حصل؟

‏(تغمض شجن عينيها بقوة وكأنها تحاول منع دموعها من السقوط، ثم تهمس بكسرة)

‏شجن: رجب كلمني النهاردة..

‏دعاء (بصدمة وغضب مفاجئ جعلها تصرخ تقريباً): نعم؟! هو ليه عين الوسخ ده يكلمك تاني مش كفاية القرف اللي عمله وعايز اي بروح أمه هو لسه فيه بجاحة كدة

‏شجن (تنهار حصونها وتبدأ دموعها في النزول بصمت): أنا تعبت والله يا دعاء.. تعبت من التفكير ومنه ومن كل حاجة.

‏دعاء (بنبرة حازمة وقوية ): لا يا كوكو اجمدي كدة وما تتهزيش.. أنتي شجن اللي ما بيكسرهاش حد، هتخلي واحد وسخ زي ده يركبك ويدلدل رجليه كمان فوقي يا حبيبتي، ده ما يستاهلش حتى تفتكري اسمه اعرفي انتي ضحتي بأيه عشان تخلصي منه اوعي تنسي 

‏(شجن بتسمح دموعها بعنف وكأنها بتغسل آثار الضعف من وشها، وعينيها بتلمع بوجع مخلوط بقهر)

‏شجن (بصوت مخنوق بس مليان غل): عندك حق يا دعاء..  مكنش مستقوي غير باللي وراه، ولولا أن هو كان سنده  كان زمانه ولا حاجة. حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ما يكسبه أبداً ويوريه في أعز ما عنده زي ما كسر فرحتي وراني العذاب الالوان 

‏دعاء (باندفاع وحرقة): آمين يا رب.. يا بنتي ده اللي زيه بيعيشوا على كسر غيرهم ده سادي عايز اي من واحد سادي يطبطب عليكي مثلا ده شيطان علي وش الدنيا بس ربنا كبير وهيردله كل اللي عمله فيكي أضعاف.

‏شجن (بتاخد نفس طويل وبتقعد مفرودة بصلابة): أنا كنت ناسيه هو مين أصلاً ليه رجع بعد ده كله والله كل ما بص لجسمي في المرايا بشوف شكله عايز يرجع يهد اللي بنيته تاني ده بعينه واهد المعبد عليه وعلي الا خلفوا الا كانت بتمنعني ماتت الله يرحمها 

‏دعاء (بتأكيد):  الله يرحمها يا حبيبي هو ده الكلام! انسي اللي حصل قبل كدة خالص، واعتبريه صفحة سودة واتقطعت من حياتك. اللي كان سنده النهاردة مش هيبقى موجود بكرة، وربنا هياخد لك حقك. اضحكي بقى وفكي كدة هعدي عليكي نخرج شويه يلا 

‏شجن (بابتسامة خفيفة ): عندك حق.

‏تتغير نبرة دعاء فجأة من الغل للهزار، وهي بتحاول تخرج شجن من مود الكآبة)

‏دعاء (بغمزة وضحكة): سيبك من الوسخ ده دلوقتي..ما قولتليش "هولاكو" اللي جالكم المكتب ده طلع مز ولا إيه؟

‏شجن (تنفجر من الضحك وسط دموعها): اسكتي يا دعاء أنتي مش سامعة صوته عامل ازاي؟ ده  ماشي في الطرقة عامل يشخط في اي حد .. ده أنا بقول زمان مستر هيثم يا عيني جاله "هارت أتاك" من صوته بس (وتكمل ضحك بهستيريا).

‏(في اللحظة دي، تدخل "هند" المكتب وهي شايلة ملفات وبتبصلهم بنظرة ارتياح إن شجن بتضحك)

‏هند (بضحكة صفرا): اضحكي يا اختي اضحكي.. فُلتي أنتي منها يا حبيبتي النهاردة ولبست فينا إحنا.

‏شجن (بتمسح عينيها وبتبص لهند باستغراب): ليه إيه اللي حصل تاني؟

‏هند (بتنهيدة تعب): كانت النسبة اللي في الـ "Mail" غير النسبة اللي مكتوبة في الورق خالص! لولا إنك رجعتي في آخر لحظة وعرفتي مستر هيثم بالصح، كان زمانا دلوقتي بنقرأ عليه الفاتحة في الإنعاش 

‏شجن (بشهقة وضحك): يا نهار أبيض حرام عليكي يا هند.. 

‏تكمل هند كلامها وهي بتعدل نظارتها وبتمط شفايفها بسخرية من اللي شافته في الاجتماع)

‏شجن (بتنهيدة):  المهم، طمنيني الاجتماع مشي تمام؟

‏هند (بشماتة وراحة): أيوة يا ستي، ميت فل وعشرة.. مستر جاسر قام بالواجب وزيادة، إداهم كلهم على عينهم في القعدة! وبالذات "صوفيا" دي.. كانت جاية فاكرة نفسها في عرض أزياء وجايه قالعه جاهزه بس جاسر باشا مسمّاش عليها  وخلاها مش عارفة تودي وشها فين

‏شجن : انا همشي بقا لأن تعبت النهارده جدا 

‏هند : لا لا حبيبتي بالسلامه انتي 

‏تخرج شجن من بوابة الشركة الزجاجية الدوارة، ملامحها مرهقة لكن فيها هدوء غريب بتعدل شعرها الغجري ورا ظهرها  وبتنفس ببطء كأنها بتنفض تعب اليوم عن كتافها الهوا بيطير خصلات من شعرها وهي ماشية بخطوات واثقة ناحية الكافيه اللي في الجهة المقابلة

‏صوت الجرس الصغير بيعلن دخولها ريحة البن المطحون بتملى المكان شجن بتروح للكاشير بابتسامة خفيفة "متعودة"

‏شجن: "واحد كابتشينو فانيليا زيادة رغوة لو سمحت."

‏بتستلم الكوباية الورقية سخونتها بتدفي إيدها وريحة الفانيليا بتدغدغ أعصابها بتغمض عينها ثانية وتستنشق الريحة قبل ما تخرج تاني للشارع.

‏شجن واقفة على الرصيف، ماسكة الكوباية بإيد والفون  بالإيد تانيه الشارع زحمة وصوت الكلاكسات عالي بتبص يمين وشمال وبتبدأ تعدي الطريق بهدوء وهي بتفكر في مكالمه رجب و فجأة ومن غير سابق إنذار عربية سوداء بتظهر من ورا عربية تانية كانت راكنة ماشية بسرعة جنونية مش متناسبة أبداً مع زحمة الشارع.

‏صوت فرامل حاد بيشرخ سكون اللحظة (صييييييييييت) شجن بتلف وشها برعب عينها بتوسع وهي شايفة كشافات العربية بتقرب منها في أجزاء من الثانية. "طاخ!".. العربية بتخبطها من الجنب

‏شجن بتطير في الهوا لمسافة قصيرة قبل ما تقع على الأرض بقوة. كوباية الكابتشينو بتترمي من إيدها بتندلق على الأسفلت وتختلط بتراب الشارع شنطتها بتتفتح وحاجاتها بتتوزع حواليها

‏هدوء تام لثواني وبعدها الشارع بيتحول لخلية نحل

‏"يا ساتر يا رب! استر يا رب!"

‏"حد يطلب الإسعاف بسرعة!"

‏"يا آنسة.. سامعاني؟"

‏الناس بتبدأ تتلم حواليها في دايرة كبيرة. شجن مرمية على الأرض، عينيها نص مفتوحة وبتبص للسما وبتتخيل مامتها بتحصنها وبتبسم بس مفيش أي حركة غير صوت نفسها المكتوم والناس عمالة تزيد فوق راسها ملامحهم مرعوبة ومستنية أي إشارة إنها لسه عايشة

‏بخطوات واثقة وجامدة خرج جاسر من بوابة الشركة العملاقة يتبعه عثمان الذي يحاول جاهدًا ملاحقة خطواته السريعة كان الجو مشحوناً ببرود أعصاب جاسر المعتاد، بينما عثمان يراقب ملامح وجهه بتركيز.

‏سأله عثمان بنبرة هادئة: "تحب نروح الشقة يا باشا؟"

‏تنهد جاسر بضيق وكأنه يحاول طرد هواء ثقيل من صدره، وأجاب باختصار: "ماشي "

‏بمجرد أن اقتربا من السيارة، لمح جاسر تجمهراً غريباً عند زاوية الطريق ناس ملتفة حول جسد ملقى على الأرض. عقد حاجبيه وهو يضع يده على باب السيارة وسأل عثمان: "هو في إيه هناك؟"

‏رد عثمان وهو يتطلع للزحام: "معرفش والله يا باشا.. تحب أروح أشوف في إيه؟"

‏أجاب جاسر بجمود وهو يركب مقعده الخلفي: "لا.. مش ناقصة وجع دماغ، يلا اطلع."

‏تحركت السيارة ببطء لتتجاوز الزحام، ومع اقترابها من نقطة التجمع، التفتت عينا جاسر تلقائياً نحو الفراغ بين الناس وفي لحظة خاطفة تجمدت الدماء في عروقه 

‏وانقبض قلبه قبضة حديدية حين وقعت عيناه على ذاك الوجه لم تكن مجرد فتاة غريبة ولم يكن وجهاً غريباً؛ بل كان هو "الوجه" الذي حفظ تضاريسه في كل ليلة سهر فيها مع أحلامه. كانت "شجن". نفس الملامح التي رسمها خياله في لحظات الوجد، نفس الهدوء الملائكي الذي يزوره كطيفٍ هارب. كانت غائبة عن الوعي، .

بل كانت "هي".. نفس الملامح التي تطارده في أحلامه كل ليلة، نفس الوجه الذي يراه في منامه ولا يعرف له صاحبه  الزائرة الغامضة التي تستبيح منامه كل ليلة، الوجع الجميل الذي يطارده في أحلامه ولا يجد له تفسيراً  كانت شجن ملقاة على الرصيف كعصفور بلله المطر، شاحبة كأنها قطعة من المرمر وشعرها الغجري يفترش الأرض كغيمة سوداء حزينه

‏"وقف العربية!".. صرخ جاسر لم تكن مجرد أمر، بل كانت نداء استغاثة من روح تعرفت أخيراً على نصفها الضائع.

‏قبل أن تتوقف العجلات تماماً، كان جاسر قد قذف نفسه خارج السيارة، متجاهلاً نظرات المارة وذهول عثمان الذي لم يره يوماً بهذا الذعر. اندفع يشق الحشود بجسده الضخم وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، حتى وصل إليها. جثا على ركبتيه في وسط الشارع غير مبالٍ ببدلته الأنيقة أو برستيجه الذي طالما حافظ عليه

‏مد يده المرتجفة نحو وجهها لمس بشرتها الباردة وكأنه يتأكد أنها حقيقة وليست مجرد طيف أو حلم سيتلاشى حين يفتح عينيه. همس بصوت مخنوق بالدهشة والخوف: "أنتِي؟.. معقولة أنتِي موجودة فعلاً؟"

‏التفت إلى عثمان الذي وصل خلفه لاهثاً وصاح فيه بصوت مرعد: "واقف تتفرج على إيه افتح باب العربية!"

‏حملها جاسر بين ذراعيه، كانت خفيفة كأنها روح بلا جسد، وضمهـا إلى صدره بقوة وكأنه يخاف أن تخطفها الأرض منه مرة أخرى. ركب في المقعد الخلفي وهي بين يديه، ورأسها مائل على كتفه، وأمر عثمان بلهجة لا تقبل الجدل: " اطلع على المستشفى.. بسرعه يا عثمان.. لو حصلها حاجة ههد الدنيا فوق دماغ الكل واولهم انت بسرعه"

‏طول الطريق، لم تحد عيناه عن وجهها كان يراقب أنفاسها الضعيفة وقلبه يدق بعنف، يهمس لنفسه: "مش هسيبك تضيعي مني تاني لا في الحلم ولا في الحقيقة انا ما صدقت اني لقيتك يا ملاكي .. ."

‏داخل السيارة، تحولت المساحة الضيقة إلى عالمٍ لا يضم سوى جاسر وتلك الفتاة التي قفزت من أحلامه الوردية إلى واقعٍ مرير كان يحملها بين ذراعيه واضعاً رأسها على صدره يشعر بضعف جسدها الذي بدا بين يديه كعصفورٍ مبلل كسر الشتاء جناحيه.

‏كانت يده تمسح بخوفٍ مفرط على خصلات شعرها المتناثرة وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب يراقب كل رمشه بسيطة من رموشها كان شعوره مزيجاً مرعباً بين الذهول والخوف وصدمه وامتلاك ذهول لأن أحلامه تجسدت أمامه وخوف من تلاشي أحلامه وصدمه أنها طلعت موجوده مش مجرد حلم ورغبة في الامتلاك تجعله يود لو يخبئها داخل ضلوعه بعيداً عن أعين العالم.

‏همس بصوتٍ مرتجف، بالكاد يسمعه عثمان الذي كان يقود السيارة بجنون:

‏"كنتِ فين؟.. وليه طالعة لي وأنتِ مكسورة كدة؟.. فوقي يا ملاكي فوقي بس متفضليش غايبة عني أنا حاسس اني روحي رديت ليا تاني "

‏لم يكن يناديها باسمها لأنه لا يعرفه، بل يناديها باسمها الذي قلبه اختار لها هذا الاسم في خياله منذ زمن كانت أنفاسها الضعيفة تصطدم بعنقه، فتُشعل فيه ناراً من القلق والخوف من الفقد قبل اللقاء كان يضمها بقوة أكبر كلما اهتزت السيارة، وكأنه يمتص وجعها لجسده هو.

‏بمجرد أن توقفت السيارة بصريرٍ حاد أمام بوابة الطوارئ، هرع الممرضون بالنقالة الحديدية. فتح عثمان الباب بسرعة وصاح: "حد يجي يلحقها "

‏حاول أحد الممرضين أن يمد يده ليأخذها منه، لكن جاسر انتفض كوحشٍ جريح، وبرقت عيناه بنظرة أرعبت الجميع. صرخ فيهم بصوتٍ هز ردهات المستشفى 

‏"محدش يلمسها! وسعوا من طريقي"

‏رفض تماماً أن توضع على النقالة وظل حاملاً إياها، متجهاً بها إلى الداخل بظهره المفرود وخطواته التي لا تعرف التراجع كان يشعر أن لمس أي يد غريبة لجسدها هو تدنيس لشيءٍ يخصه وحده

‏دخل بها إلى غرفة الفحص، ووضعها على السرير الأبيض برقةٍ متناهية وكأنه يضع طفلاً في مهده وحين حاولت الطبيبة إخراجه لتبدأ الفحص، قبض على طرف السرير وقال بنبرة هادئة لكنها شديدة الخطورة:

‏"أنا مش هتحرك من هنا.. اعملي شغلك وأنا واقف، ولو اتوجعت .. هطربق المستشفى فوق دماغك"

‏وقف جاسر في زاوية الغرفة، عيناه مثبتتان عليها، يراقب الأجهزة وهي تتصل بجسدها الضعيف، وصدره يغلي بأسئلة لا إجابة لها: من هي؟ وكيف جائت الي

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يارب الروايه تكون نالت اعجابكم

التنقل السريع