البارت الثالث
جنى كانت سايقة بأقصى سرعة عندها والعربية كانت بتشق زحمة الشوارع والكل علي أعصابهم
هتان كانت حاطة راس الشاب في حضنها وضغطة بشالها المبلول دم على رقبته وعينيها رايحة جاية عليه برعب وفجأة راما لفت وشها لـجنى وملامحها كانت باينة عليها الجدية والخوف زعقت بصوت واطي
=بسسس.. اركني على جنب يا جنى
جنى اتخضت وبصت لها بطرف عينها وهي ماسكه في الدريكسيون وبتبلع ريقها باستغراب
=في إيه يا بنتي؟ اركن فين في وسط الشارع كدة؟
راما ضربت على التابلوه خبطة خفيفة بعصبية
= بقولك اركني بس
جنى فرملت براحة وكسرت بالعربية على يمين الشارع الرئيسي في حتة شبه ضلمة ومفيش فيها حركة أول ما العربية وقفت وراما فكت حزام الأمان ولفت بجسمها كله لرحمة وهتان اللي وراء وبصت لهم وخدت نفس طويل وقالت بابتسامة مصطنعة
=حمد لله على السلامة..يلا بينا نشيله بقى نرميه
هتان برقت عينيها وبصت لراما بصدمة وصرخت
=بينا مين ونرمي مين؟
راما شاورت بصباعها على الشاب الممدد ورا علي رجليها وقالت بحسم
=الأستاذ أومال هيكون مين؟ إحنا كدة عدانا العيب وزيادة انقذنا من العصابه ورمينا في حته أمان أهو
رحمة اتعصبت ومالت بجسمها لقدام وهي بتهز راسها بجنان
=عيب إيه وزيادة إيه يا راما أنتِ عبيطة أنتي مش شايفه الا احنا فيه
راما عروق وشها برزت وصوتها علي من كتر الضغط والخوف
=عبيطة يا رحمة عشان عايزة نخلص من المصيبة دي وما تقوليش احنا قولي هتان هانم الا ورطتنا في المصيبة دي أنتِي عاجبك كدة؟
عاجبك منظرنا والدم مغرقنا عجبك تلات بنات بيلفوا في نص الليل بسبب واحد هيجي من وراء مصايب
وهيجي ليه هو جيه اصلا
هتان مكنتش سامعه خناقهم كل الا كان بيدور في دماغها أنها تنقذ الشاب الا في حضنها وتعرف حكايته اي قالت بصوت مفيش فيه تراجع
=بسسس أنتي وهي أنا مش هسيبه في الحالة دي
راما ضحكت ضحكة يأس ومسكت راسها بإيديها
=ههه اتفضلي يعني إيه يا هتان إحنا كدة لِبسنا يعني ولا إيه؟ أنتي واعيه أنتي هتلبسينا في اي وفي مين معه مسدس أكيد مكنش بيجري ولا عندهم وقت فراغ فاكنوا بيجروا وراء بعض يلعبوا
هتان سكتت.. وبصت في الأرض وهي مش لاقية كلام تقوله بس جواها رافض تماماً فكرة الرمي
راما لقت هتان ساكتة فاستغلت الوضع وكملت كلامها بنبرة وواقعية وهي بتشاور على الموبايل
=ما هو لو فاكرة إننا هنروح لأي مستشفى ويا حرام هنصعب عليهم وهيصدقوا اللي حصل.. تبقي هبلة فالمنطق بيقول إيه؟ نسيبه على جنب.. شرطة بقا ناس مش فارقة إن شاء الله
حيوانات.. اللي يلحقه الأول ينقذه ده.. ده لو كان لسة عايش أصلاً وحلال عليه سين وجيم
ساد الصمت جوة العربية لثواني صمت تقيل لدرجة إن صوت أنفاسهم المرعوبة كان مسموع كلام راما نزل عليهم زي المية الساقعة وكلهم كانوا عارفين جواهم إنها بتتكلم صح وإن رجلهم لو عتبت مستشفى بالشكل ده الليلة مش هتعدي بالساهل
وهيكون في سين و جيم جنى سابت الدريكسيون ولفت وشها ورا وبصت لهتان بعيون مليانة خوف وقالت بصوت مرعوب
=راما عندها حق يا هتان.. أنا خايفة أوي العربية دي باسم بابا ولو حد لقط النمر أو اتوقفنا في كمين هيكون في سين وجيم احنا مش قدها وأنا مستقبلي ممكن يضيع وأهلي هيروحوا فيها
رحمة حطت إيدها على راسها وهي محتارة في كلامهم الموقنع وبصت لهتان اللي لسة حاضنه الشاب وقالت
=المنطق بيقول كدة فعلاً يا هتان.. إحنا ملناش ذنب في الخناقة دي وإحنا عملنا اللي علينا وزيادة وشيلناه من الموت.. يبقي كفاية كدة لحد هنا لازم نفكر في نفسنا يا هتان لاحظي أنه ممكن يكون قاتل أو مجرم ويلبسنا معه
=ايوا ايوا بالظبط يا رحمه ناقصين يا هتان يكون مجرم ولا قتال قتله يلاحقنا حياتنا وردي اوي يعني عشان ندور علي مصيبه نجري وراها
كانت بتسمع كلامهم وعينيها رايحة جاية على وشه الدبلان الشاحب الا في حضنها حست بقلبها بيتخطف وبصت لراما وقالت بنبرة مخنوقة ودموعها نزلت غصب عنها
=يعني أنتم عايزين هترموه في الشارع كدة يموت؟
ذنبه هيبقى في رقبتنا حرام علينا
راما زعقت فيها بعصبية
=رقبة إيه وبتاع إيه حد قالك أن هو من باقيه أهلنا وبعدين هو اللي حط نفسه في السكة دي وهو اللي كان معاه
مسدس والناس بتجري وراه ذنبه في رقبه نفسه مش احنا يا هتان.. اخلصي الوقت بيجري والوقفة دي في وسط الشارع خطر علينا كلنا خلينا نفتح الباب ننزله هنا قبل ما حد يلمحنا ولا يسألنا بنعمل اي
شهقت بالبكاء ونزلِت دموعها على خدودها وضمته لحضنها أكتر ومسكت في هدومه بـتحدي وجنون كأنها بتحميه منهم لفت وشها ليهم وبصت بعيون مليانة رجاء من كتر خوفها عليه وصرخت فيهم
=لا مش هسيبه.. مش هرميه يا راما
التفتت لجنى اللي قاعدة ورا الدريكسيون
=جنى.. أنتِ مش ممرضة ما تفكري في أي دكتور من اللي تعرفيهم ولا أي حد يلحقنا وينقذه من غير شوشرة ولو عايز فلوس تمام هندفعله حرام يا جماعة نموّته بإيدينا.. على الأقل.. على الأقل اعتبريه في مقام أحمد أخوكي يا جني
راما لفت وشها بسرعة وبصت لجنى بنظرة خايفة لا تضعف وتوافق من كلام هتان عن أخوها وزعقت بغيظ
=أحمد إيه يا هتان وأخو مين أنتِي بتلوي دراعنا عشان نلبس كلنا في قضية قتل؟
جنى سكتت تماماً ومسحت دموعها بإيد بتترعش وهي بتبص في حيرة وقلق للشاب من المراية اللي قدامها كلام هتان دخل جوة قلبها وحرك فيها غريزة مهنتها وإنسانيتها وبدأت تفكر فعلاً لو كان أحمد أخوها في نفس
الموقف ده كانت هتتمنى حد يرميه في الشارع كدة؟
ساد الصمت جوة العربية لثواني مفيش غير صوت شهقات جنى وهي بتبلع ريقها وبتمسح دموعها بكف إيدها بصت لـ هتان في المراية وملامحها اتغيرت
تماماً
بعد ما سيرة أخوها حركت فيها كل حاجة وقالت بصوت حاسم
=أنا.. أنا أعرف دكتور.. دكتور جراح كبير في المستشفى الا بتدرب فيها واسمع عنه أنه بيعمل عمليات برا وعنده عيادة خاصة في حتة هادية.. بس هو حراق جداً ومادي وهيطلب فلوس كتير قوي عشان يعمل حاجه زي دي من غير ما يبلغ الشرطة ولا يسألنا ولا يدخلنا في حوارات
راما أول ما سمعت الجملة دي لفت وشها بسرعة وبصت لهتان بنظرة كلها تهكم وغيظ ولوحت بإيدها وهي بتزعق بصوت مكتوم
=اتفضلي! اتفضلي يا ست هتان يا حنينة إيه ما تقوليش هنلّم من بعضنا صح لا ونلم ليه اركني يا جنه خلينا ننزل نشحت علي الاستاذ عشان ست هتان ترتاح ده مش بعيد كمان شوية تقولنا يلا نبيع العربية عشان خاطر عيون الأستاذ اللي منعرفهوش لا ما نعرفهوش وهندفعله فلوس علاجه يا بلاش والله
مارديتش عليها فضلت حاطة إيدها على جرحه وهى بتفكر حاولت تطلع شنطتها وهي بتطلع شنطتها أيدها لمست بالغلط جيبه حسيست عليه لاقته مليان دخلت أيدها في وطلعت فلوس كتيره منها فرحت وراحت علي الجيب الا التاني لقيت كروت فيزا ومفاتيح شكلها غريب بصت ليهم
وحطت الفلوس والحاجة في شنطتها من غير ما حد يحس بيها وبعدين بصت لجنى وقالت لها
=الفلوس مش مشكلة..أنا هتصرف.. يلا يا جنى أرجوكي روحي علي العياده بتاعته
=ناويه تبعينا أعضاء يعني ولا اي احنا لو لمينا من بعضينا بالميت مش هنكمل 3000 يعني مش تمن كشفه ده غير هيطلب عموله وعلاج وهري كتير واضربي كل ده في أتنين بقا هنعمل اي ؟
=قولت هتصرف يا راما الله نازله تقطيم وجلد اي انتي فأكره الروح سهله كد نسيبها
=لا يا حبيبتي نوديه لدكتور ياخد الا ورانا والا قدمنا وفي الاخر يسلمنا عشان ضميره صحي فجاه
=اتحركي يا جني
راما نفخت بقلة حيلة وضغطت على راسها وعرفت إن الكلام مفيش منه فايدة بعد ما جنى ورحمه بقوا في صف هتان لفت وعينها جت في عين جنى وقالت لها بـنبرة حادة ويائسة
=يلا.. اطلعي على عيادته وخلصينا من الليلة السودة دي قبل ما نتمسك كلنا هنا يا جني لما نشوف هنروح نبات في إني قسم النهارده
جنى مسكت الدريكسيون وداسِت بنزين وطلعت بالعربية بسرعة في اتجاه عيادة الدكتور كانت عيناها مسمرتين على ملامح الشاب تحاول استطلاع أي علامة تدل على أنه ما زال يتنفس في حين كانت يدها تضغط على رقبته بمحاوله يائسة ليتوقف الدم التفتت راما بضيق نحو جنى وسألتها بنبرة حادة
=هو لسة فاضل كتير على عيادة الدكتور ده يا جنى؟ الشوارع بدأت تفضى والوقفة علي جنب دلوقتي معناها إننا رحنا في داهية
جنى كانت ممسكة بالدريكسيون بقوة وعيناها مراقبين الطريق بقلق وهي بترد بصوت مرتعش
=خلاص خمس دقائق بالظبط.. وهنوصل العيادة في دور أرضي في عمارة قديمة في شارع جانبي وراء المستشفى العام الا شغاله فيها المكان هناك هادي ومحدش هياخد باله مننا
في تلك اللحظة ومن وراء مقعد القيادة صدر صوت أنين خافت جداً وضئيل قطع حوارهم انتفض جسد هتان وهي تشعر بحركة مباغتة منه بدأت أصابعه تتحرك ببطء شديد وقام بقبض كفه الدافئة فجأة فوق يد هتان الضاغطة على جرحه فتحت عينيها على وسعهما من الصدمة
لتقف الأنفاس في صدرها تماماً حينما فتح عينيه ثانية واحدة ليتطلع في وجهها بنظرة مبهمة تائهة وغارقة في نعاس الموت ثم همس بنبرة مبحوحة وضعيفة للغاية قبل أن يغيب مجدداً
="Salva-me..."(أنقذيني...)
سقطت يده مرتخية مره أخرى وأغلق عينيه مستسلماً للغيبوبة الكاملة ابتلعت ريقها وجسدها ارتعش وبصت للبنات برعب وقالت بصوت مكتوم
=هو.. هو فاق ونطق حاجة.. بس رجع غاب تاني معني كده أنه عايش ولسه في الروح اخلصي يا جنى أرجوكي
جنى انحرفت بالسيارة انحرافاً حاداً وفرملت بقوة أمام لافتة نحاسية قديمة ومطفأة تعود لعيادة الطبيب
كانت شاشة التلفاز تبثّ وهجها الخافت في أرجاء الصالة وصوت الموسيقى التصويرية للمسلسل يملأ المكان برتابة ملحوظة كانت تجلس على أرريكة قديمة واضعة كفّها أسفل خدها ومندمجة بكامل حواسها في متابعة الأحداث مسلسلها
المفصل
انكسر هذا الهدوء فجأة حين اندفعت ابنتها بسمة نحوها بخطوات متسارعة وملامح وجهها مقلوبه وعيناها تتطاير منهما شرارات الغضب وقفت في المنتصف حاجبة الرؤية عنها ونطقت بصوت مشدود يرتجف بالعتاب الشديد
=أنتِي ورّيتي صورة غزل ليحيى ليه ياما؟
انتفض بـذعر وحطت أيدها على صدرها وهي بتبرق بعينيها اللتين اتسعتا من الخضه وقالت بنبرة حادة تحاول استعادة أنفاسها
=بسم الله الرحمن الرحيم بيطلعوا إمتى دول؟
وإيه المشكلة يا بسمة؟ بنت كويسة وأخوكي كويس والناس مفيش فيهم عيب واخوكي مفهوش عيب يا بسمه
لوت بسمة فمها بـمرارة وسخرية وقالت بصوت خافت
=كويس إيه يا أم يحيى؟ هو إحنا هنضحك على بعض إحنا هنتبلى على بنات الناس عيني عينك كدة مش كفاية الجوازه الاوله
ملامح أمها اتشدت تماماً وسابت ريموت التلفزيون بعنف على الطاولة وقامت عدلت قعدتها وعيناها تفيضان بـغلّ مكتوم وهي تبص لابنتها وتصيح بها بقسوة
=بت أنتِ.. أنا مش ناقصاكي ولا ناقصة كلامك الماسخ ده ماله أخوكي يعني خيرة شباب الحارة وطول عمره حيطة سد هو في حد زي النبي حارسه ابني؟
خطت بسمة خطوة نحوها ونزلت الكلمات من حنجرتها كالقذيفة التي صدمتها تماما
=أيوا في.. على الأقل مش مريض
وشها جاب ألوان من الغضب وقامت وقفت وعروق رقبتها برزت وصوتها علي بهستيرية مسمعة البيت كله وهي بتشرشح
=يلا يا بنت الكلب ده أنتِ اللي مريضة أنتِ والفاجرة التانية يمين تلاتة يا بسمة يا بت بطني لو فتحتِ بوقك بحرف واحد ولا حتي الجوازه ما كملت لانتي بنتي ولا أعرفك وهتبرى منك ليوم الدين
دموعها نزلت غصب عنها من القهر بس فضلت واقفة مكانها متهزتش وبصت في عين أمها بعناد
=عشان بقول الحق وخايفة على بنات الناس ياما وخايفة على غزل تتدبس التدبيسة السودة دي.. تتبري مني؟
قربت منها لدرجة إن أنفاسها الغاضبة كانت بتضرب في وش بسمة وقالت بنبرة حادة جافة وتفيض بجبروت أم مستعدة تدوس على أي حد عشان خاطر ابنها
=وأشرب من دمك كمان لو لازم أخوكي ولا الغرب يا بت بطني بدل ما تزغرطي ولا تفرحي لاخوكي جايه تاقطميني ليه مكنش من يومين فرحانه أنه هيجوز دلوقتي جايه تقولي بنات الناس
=مكنتش اعرف ياما أنها غزل
=واديكي عرفتي يا روح امك تحطي شبشب في بوقك وتفرحي لاخوكي ولا تنكدي عليا بدل ما تقولي ربنا يرزقه بالذريه الصالحه لا جايه تقولي بنات الناس وكان فين بنات الناس واخوكي كان في الا فيه ولا بنات الناس هتبديهم علي اخوكي يا بنت منصور
استدارت بسمة وأعطت ظهرها للتلفاز بالكامل ملامحها كانت تنضح بالقهر وهي ترى عيني أمها تقطران قسوة فهتفت بنبرة مخنوقة تبكي من الداخل
=عشان بدافع عن بنات الناس ياما.. هتتبري مني؟
ماشي ياما انا مش هقف قدام فرح اخويا بس علي الاقل حطي بنات الناس مكاني هترضي عليا العيشه دي
أم يحيى لوت فمها بـسخرية وصفقت بكفيها في الهواء وهي تصرخ بتهكم لاذع
=شوف البت يكونش قالوا ليكي إننا بناكلهم ياختي ولا بنسرحهم لاسمح الله ؟ما ينطقوا ولا يتفلقوا الا بياكلنا ولا يشربنا يمنع عننا ياختي
نزلت دمعة حارقة على خدها ونظرت للأرض وهي تتمتم بـغصة مريرة
=لا.. بس قالوا.. ولا بلاش
الكلمة أشعلت النيران في صدرهة واندفعت نحوها كالوحش الجريح وعروق وجهها نافرة
وهي تصرخ بعتاب يمزق القلب
=لا قولي قولي يا بسمة قولي.. قولي لأخوكي اللي كان بيطفح الدم عشان يجهزك قولي يا بت بطني كان بيطلع اللقمة من بوقه ويديها لينا كان يشتغل بال يومين والتلاته يا حبه عين أمه ولا يدوق طعم النوم ده كله كان عشان مين عشان أمي قولي مين دفعلك تمن ولادتك ولا جري معاكي في الدكاترة بابنك؟ قولي سكتي يعني
انكمشت بسمة على نفسها والكلمات أصابتها في مقتل لأنها حقيقيه فخفضت رأسها وبكت بنبرة مكسورة
=لا مش هقول ياما.. كتر خيره وخيرك أنا عارفة كل ده مش محتاجه تفكريني يام يحي
لم تهدأ بل رفعت حاجبها وتابعت بصوت حاد يملؤه جبروت جاف وتتحدث بـغلّ بكيد وقهرن غريبين
=أيوة طبعاً كتر خيره فاكرة نفسك بنت مين إن شاء الله عشان تعدّي عليه جوزاته ولا بنت المتناكة.. جوازة الشوم والندامه دي ولا كانت تتعاشر ولا تتبلع حتي هي كانت تطول أخوكي دي وتبوس إيدها وش وظهر كمان بس تقولي اي نمروده اللهم ما توعي تفرح ولا تتهني زي ما نكدت علينا وعلي ابني يارب كشفت راسي ودعيت عليكي يا ساره يا بنت عطيه غوري انتي كمان من قدامي حارقه دمي دايما كده
ساد الصمت من جديد وبسمة واقفت تبكي وهي ساكتة علي حالهم وحال إخوها وحال البنت الا هتكون ملهاش ذنب في الا هيحصل ليها في حين عادت أم يحيى تجلس على أريكتها ممسكة بالريموت وعيناها مبرقتان في التلفاز وجسدها يرتعش من الغيظ وحرقه الدم من بنتها
فوق في الدور التاني كانت الشقة غرقانة في ضلمة كحل والستائر القاتمه نازلة على الشبابيك مضلمه المكان باكماه على السرير جوة أوضة النوم كان يحيى نايم والغطا كان نازل من على صدره مبين عضلات جسمه المفتولة وصدره العريض المشدود اللي بينزل ويطلع بأنفاس تقيلة ملامحه الرجولية
كانت حادة وقاسية حتى وهو نايم وعروق إيديه بارزة وهو متبت في المخدة بعصبية مرافقة دايما معه
جسمه مكنش مرتاح في نومته خالص ملامحه كانت باينة عليها التعب وشه شاحب وعرق خفيف كان باين على جبينه رغم برودة الجو من المكيف فجأة بدأت أنفاسه تتقل ويعلى صوتها في الأوضة حواجبه اتشدت وملامح وشه بدأت تلتوي بوجع حقيقي كأنه محبوس جوة كابوس مرعب مش عارف يخرج منه
إيديه بدأت تتبت في الغطا بقوة لدرجة إن ضوافره ابيضت ورجله اتنفضت تحت الغطا نفضة خفيفةبدأ يهمس بكلام مش مفهوم بصوت مبحوح كلام طالع من حنجرته بالعافية وكأنه بيستنجد بحد في سره الوجع اللي جواه فجأة فتح عينيه مره واحدة عينيه كانت عباره عن حمم بركانية فضل ساكت ومتنح في سقف الأوضة بتوهان كأنه كان في قلب خناقة جوة كابوس أو حرب استناذفت
طاقته كلها قعد على السرير بعصبية ونفض الغطا من عليه بعصبيه وجسمه الرياضي كله اتشنج حط إيديه الاثنين على راسه اللي كانت بتغلي
وشريط حياته لف في دماغه زي السكينة وفور اادم في عروقه قام من على السرير بخطوات تقيلة وعضلات ضهره وصدره بتتحرك بقوة وعصبية راح ناحية الكومودينو
وبإيد بتترعش من كتر النرفزة والعصبية سحب علبة السجاير حط سيجارة بين شفايفه وولعها الشعلة نورت لثانية وباينت ملامح وشه القوية والحاده وعينيه اللي كانت بتطق شرار
أخد نفس طويل كتمه في صدره لثواني ونفخ الدخان بكثافة وعصبية يحيى كان بيشرب سجاير ورا بعض بشراهة تخنق كأنها جزء من روتينه الصباحي والسيجارة كانت الحاجة الوحيدة اللي بتهدي الغليان اللي في دمه
فضل واقف في نص الأوضة العريضة الدخان مالي المكان حواليه وعضلات بطنه وجسمه كلها مشدودة وهو سامع صدى صوت خناقة أمه وأخته تحت في الصالة جز على أسنانه وهو مش طايق صريخ ولا كلام من أي بني آدم رمى عقب السيجارة في الطفاية بعنف لدرجة إن الرماد اتنطور على الكومودينو
وسحب واحدة تانية ولعها من غير ما يدي لنفسه نفس أو هدنه الدخان كان خارج من بوقه ومناخيره زي الإعصار
وعينيه رايحة جاية في الضلمة وعضلات فكه بتتحرك من كتر الجز على أسنانه صوت الزعيق اللي جاي من تحت من عند أمه وأخته كان بيزيد وكل كلمة كانت بتنزل على دماغه بتخلي الدم يفور في عروقه أكتر وأكتر مبقاش قادر
يستحمل الصداع ولا السيرة اللي بتتفتح تحت كل يوم شد شورت قطن أسود مريح وساب صدره وعضلاته مكشوفة زي ما هي ومشي بخطوات تقيلة هدت الأوضة وفتح باب الشقة بعصبية ونزل السلم الرخام بخطوات سريعة ومرعبة وصوت رجله كان بيعمل صدى صوت
يوقف الدم في العروق وصل قدام باب شقة أمه ومداش لنفسه ثانية يخبط راح خبط الباب برجليه خبطة واحدة غشيمة خلت الباب الخشب يترج ويقع في ساعتها ودخل الصالة زي القضا المستعجل وعينيه الحمرا كانت بتطق شرار والسيجارة لسة متبتة بين شفايفه
والدخان مالي وشه أول ما رجله عتبت الصالة صوتهم سكت وأمه سكتت وبلعت ريقها وبصت له بخوف وبسمة لفت وشها بسرعة وهي بتترعش ومسحت دموعها بكف إيدها
الشقه ساد فيها سكون مرعب ويحيى وقف في نص الصاله جسمه وعضلات مشدودة من كتر النرفزة والعصبية أخد نفس قوي من السيجارة ونفخ الدخان في الجو وبص لأمه وأخته بنبرة صوت حادة جافة وجهورية هزت حيتان الصالة كلها وقال
=خخخخ في إيه صوتكم جايب لآخر الشارع ملكمش راجل يشكمكم ولا يلمكم نفسكم قاعدين في زريبة ملكمش سيره غير السيره النجسه دي
أمه حاولت تلم الليلة وبصت له بلهفة عشان تهديه
=مفيش يا قلب أمك.. دي أختك بس كانت...
قاطعها يحيى بزعيق هز أركان المكان وهو بيمسك علبة السجاير ويطبقها في إيده بغل
=أنا مش عايز أسمع صوت نفس واحدة فيكم اللي هسمع صوتها طالق تلاته لأكون هادد البيت ده فوق دماغها ما مخلي الشمس تطلع عليه غورا من قدامي حريم تغم
بسمة جريت على أوضتها وهي بتقفل الباب وراها برعب وأم يحيى لفت وشها وقعدت على الكنبة وهي كاتمة نفسها ومش قادرة تنطق بحرف من كتر خوفها من عصبيته وجنانه بينما يحيى لف ضهره وخرج للبلكونة وهبد الباب وراه ووقف يشرب السيجارة ورا التانية وهو بيبص للشارع الضلمة والغل واكل قلبه مفتفته لمليون حته من الوجع
فتحت راما الباب الأمامي ونزلت هي ورحمة وهما بيلتفتوا حوالين نفسهم برعب خايفين من أي حركة رحمة فتحت الباب الوراني وبصت لهتان اللي كانت لسة حاطة راسه في حضنها وقالت لها
=يلا يا هتان.. اسنديه معايا لازم ننزله بسرعة قبل ما حد يلمحنا في الحتة المقطوعة دي في اللحظة دي الترباس بتاع الباب الحديد اتسحب من جوة بصوت خشن والباب اتفتح حتة صغيرة ظهر منه وش الدكتور طارق راجل في أواخر الأربعينيات عينه ضيقة ولابس نظارة طبية شيك مغطيه علي نص وشه ووشه باين عليه آثار النوم أول ما شاف جنى متبهدلة وبتنهج عقد حواجبه واستغرب
=جنى؟ إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده وإيه المنظر ده؟
جنى بلعت ريقها وبصت له بعيون مليانة رجاء وخوف وقالت له بصوت واطي
=دكتور طارق.. أرجوك الحقنا.. في حالة برة في العربية ونزيف حاد من الرقبة.. لازم تدخله ونحاول ننقذه
أول ما سمع كلمة "نزيف من الرقبة" وشاف الدم على هدومها ملامحه اتصلبت تماماً وخطى خطوة لورا وهو بيهز راسه بالرفض القاطع
=نزيف رقبة وإصابة برة المستشفى أنتِ مجنونة يا جنى دي فيها سين وجيم وإبلاغ فوراً للقسم أنا مبلبسش في قضايا ومشاكل خلوها تطلع على الطوارئ فوراً وانا هلبس وهاجي واركم
راما وجنى ورحمة كانوا بيسحبوا الشاب بالعافية من العربية وجسمه كان مرمي في إيديهم لا حول ولا قوه له راما لفت وشها للدكتور وبصت له بغيظ وقالت بصوت حاد
=طوارئ إيه ودنيا إيه يا دكتور احنا لو عايزين طوارئ كانا جينا لهنا جنى قالت لينا إنك بتخلص الحالات دي من غير شوشرة..
عينيه لمعت بـجشع واضح أول ما سيرة الفلوس اتقالت وبص للشاب المرمي في إيديهم وبعدين بص لـ عربية جنى الشيك وعقد حواجبه وارتسمت على شفايفه ابتسامة مادية باردة وقال بنبرة واضحة ومفيهاش فصال
=خمسين ألف جنيه.. كاش وفوراً قبل ما ألمسه أو أطلع المشرط من مكانه.. وماليش دعوة بأي حكاية ورا الراجل ده ده غير العلاج والممرضات وحساا
لم تتردد هتان لثانية واحدة الكلمة لم تخرج كاملة من فم الدكتور طارق حتى كانت تسحب حقيبتها الجلدية بعصبية فتحت السوستة بأصابع ترتجف ومدت يدها لتخرج رزمة الأموال وقالت
=أهو الفلوس اهي كاش دولار.. اتفضل اخلص وافتح الباب ودخله مش وقت فصال أنت موقف بنات في الشارع لو حضرتك مش واخد بالك
لقط الرزمة في الهواء وبمنتهى الخفة عدها بنظرة سريعة وخبيثة وارتسمت على شفايفه ابتسامة الجشع وتراجع خطوتين لورا وفتح الباب الحديد على آخره وهو بيشاور لهم بإيده بسرعة
=ادخلوا.. ادخلوا بسرعة وطالعوا على أوضة الكشف جوة سحبوا نفس طويل من الراحة الممزوجة بالرعب واتحركوا الأربعة مع بعض بكل قوتهم وشالوا الشاب اللي كان جسمه تاقل تماماً في إيديهم بشكل قلل هتان ودخلوا بيه من الممر الضيق للعيادة قفل الباب الحديد وراهم بالترباس.
وقف في زاوية معتمة تحت ظلال شجرة على الرصيف المقابل سحب نفساً هادئاً وبمنتهى الثبات والبرود أخرج ولاعته الذهبية الثقيلة المحفور عليها حرفا AM بزخرفة شديده الدقه وأشعل سيجارة جديدة ووضع الولاعة في جيب معطفه بعناية وأخذ نفساً عميقاً من السيجارة ونفخ الدخان ببطء شديد وهو يتأمل الحريق بابتسامة عريضة مرعبة ومليئة بـجنون خام كانت النيران تتراقص في عينيه المتسعتين كاراقصه ترقص له رقصه منفرده له فقط وهو يشاهد جريمته وهي تتلاشى وتتحول إلى رماد وكأنه يتفرج على لوحة فنية صُنعت خصيصاً لأجله بقي واقفاً لعدة دقائق كاملة يراقب تصاعد الألسنة اللهب بكل روقان حتى أنهى سيجارته تماماً ألقى بالعقب تحت حذائه وقام بسحقه بقسوة حتّى انطفأ أخرج هاتفه المحمول من جيبه ونظر إلى الشاشة التي ما زالت باهتة ثم ارتسمت على شفايفه ابتسامة مريضة تفيض كيداً ووعيداً وهو يهمس لنفسه بصوت حاد ومبحوح كأنه يوجه التحية لشخص غائب
"Olá, mamãe..." (هالو مامي...)
ثم أعاد الهاتف إلى جيبه واستدار يمشى براحة تامة في الشارع المظلم وهو يصفّر نغمة خافتة ومرعبة تتردد أصداؤها في السكون مع أصوات فرقعة الأخشاب المحترقة خلفه صادره ارقي أنواع الموسيقى بالنسبة له تاركاً وراءه رماد الماضي وقنبلة موقوتة بدأت خيوطها تتشابك في الخفاء
ركب سيارته السيارة السوداء وشغل موسيقى ومملوءاً بـلحن جنائزي كئيب يقطر موتاً وسوداوية كان يخرج من السماعات ليغذي جنون عقله وهدوءه المرعب كان يمسك الدريكسيون بيد واحدة يرتدي فيها قفازاً جلدياً أسود واليد الأخرى تلامس الملمس البارد لـولاعته الذهبية المحفور سحب هاتفه المحمول وببرود تام ضغط على زر الاتصال السريع واضعاً الهاتف على أذنه وهو يراقب الطريق من وراء الزجاج الأمامي بابتسامته الباردة والمريضة كليا لم تمر ثوانٍ حتى فتح الطرف الآخر الخط فبدأ يتحدث بنبرة حادة منخفضة تفيض بالشرّ والسيطرة المرضيه وبدأ يُملي على الشخص الذي يحادثه أرقام خط راما الطائش واحداً تلو الآخر بمنتهى الدقة ثم أردف
بقسوة وجبروت آمرًا إياه
"Cinco minutos e eu quero os dados deste número... Anthony estou com saudades da mamãe
(خمس دقائق وأريد بيانات هذا الرقم... يا أنطوني أنا مشتاق لمامي)
أغلق السكة دون أن ينتظر سماع الرد الطرف الثاني وألقى بالهاتف على المقعد المجاور له اتسعت ابتسامته المجنونة وضغط بقوة أكبر على دواسة البنزين لتندفع السيارة كالسهم في عتمة الليل تشق شوارع القاهرة على أنغام مزيكا الموت متجهة نحو الهاوية

8 تعليقات