-->

الفصل الاول

 

بسم الله الرحمن الرحيم 


...............................


كانت خيوط الشمس الأولى تتسلل ببطء من وراء شيش النافذة لترسم خطوطاً باهتة على وجها لكن الصباح في هذا البيت لم يكن يعرف معنى الهدوء يوماً استيقظت فجأة لا على زقزقة عصافير ولا حتي علي جود مورنيج يا بيبي بل على سيل جارف من الصراخ والشتائم التي هزت جدران الصالة قلبت عينها فتلك النغمة اليومية المألوفة وضعت كفيها فوق أذنيها وحاولت دفن رأسها تحت الوسادة هرباً من "الراديو اللعين" الذي يرفض الصمت في الخارج كانت معركة مشتعلة علي 10 جنيها صوت عمتها الحاد كان يشق سكون البيت وهي تقف خلف الباب بعبايتها المنزلية ممسكة بفاتورة المياه كأنها تقبض على وثيقة حرب وتوجه شتايمها نحو جارتها 

=إلهي يا فوزية لا تتهني ولا تربحي في نومك أبداً علي الا أنتي عامله فيا أنا عارفة صورم النسوان ده 

تنهدت تنهيدة طويلة خرجت من أعماق روحها المتعبة من عمايل عمتها رفعت الوسادة والتصق ظهرها بالسرير وهي تستمع لعمتها وهي تعلّي نبرة صوتها المستفزة وتخبط بقبضتها على الترابيزه عالت صوتها عشان تسمعها من برا 

=مش صاحية يا فوزية هه ياربييي لا تاخدها لاما تخليها تتنازل عن البيت عشاااان أنا قاعدة ومش همشي 

أغمضت عينيها لثوانٍ تحاول تجميع شتات نفسها قامت ببطء وجلست على طرف السرير والدنيا كانت تدور من حولها بسبب قله نومها مسحت بيدها على وجهها المرهق وأخذت نفساً عميقاً وهي تطمئن دقات قلبها المتسارعة وتهمس لنفسها بصوت مبحوح لم يغادره النوم بعد

=بس يا هتان.. بس يا حبيبتي.. ست كبيرة وخرفانة بقى.. فوتيها عشان يومك يعدي هتمسكي فيها مش هتحل غير في القسم خلاص المره دي 

لم تكن تعلم أن الجدران في هذا البيت لها آذان أو أن عمتها بتتسنط عليها أو تملك حاسة سمع تشبه حاسة الكلاب البوليسية في التقاط المصائب  بمجرد أن فتحت باب الغرفة وخطت خطوة واحدة نحو الصالة التقت نظراتهما كانت عمتها تدور في مكانها كالذئب الجريح والشرار يتطاير من عينيها بعد أن التقطت كلمه "خرفانه"تحولت جبهة الحرب فوراً من الجارة إليها تقدمت نحوها بخطوات سريعة ووعيد يملأ وجهها المغضوب عليه

–أنا خرفانة يا قليلة الأدب ما هي لو أمك قبل ما تموت كانت ربتك مكنتش شوفت قلة أدبك دي نزلت الكلمات كالسوط عليها لكنها لم تجرحها بل أيقظت فيها غريزة الدفاع والرد الكايد تبدد الخمول والنعاس تماماً وقفت في منتصف الصالة بكل ثقة وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ومستفزة وضعت يديها على وسطها وبحركة انسيابية مستفزه بدأت تهز وسطها بخفة ودلع يقطر كيداً ونظرت لها  من تحت لفوِق وهي تقول بنبرة كياده

=مكانتش فاضية.. كانت بتكيد فيكي يا عمتي ساد الصمت فجأة صمت مشحون بالذهول والغل بينما ظلت واقفة شامخة ببرودها تتلذذ بـأثر القذيفة التي ألقتها في قلبها 

=أنتي لسا هتتصدمي وسعي المحاضره هتفوت عليا يا وليه 

دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها وهي بتضحك من قلبها على منظر عمتها اللي كانت بتلف حوالين نفسها أخدت الفوطة وهدومها ودخلت الحمام  تاخد شاور دافي يفوقها من قلة النوم بدأت تغني بأعلى صوت عندها عشان تغطي على صوت شتائم عمتها اللي لسة شغال برة

=روحي عيني قلبي الا بيحيني اياااامي وسنيني انادي عليك بايه 

بمحن تنادي عليه بمحن يا أنغام والله 

خرجت من الحمام وريحة الشامبو كانت ملي المكان بدأت تلبس هدومها على أقل من مهلها وهي بتدندن مع نفسها بمزاج رايق ولا كأن في حريقة برة لبست بنطلونها الشيك والشميز وظبطت شعرها قدام المراية كانت بتحط الب جلوس


 بتقان بعد ما حددت شفايفها بالليب لاينر وأخدت شنطتها وفتحت باب الأوضة وخرجت الصالة لقت الخناقة اتقلبت بقدرة قادر لجلسة صلح ومصطبة نميمة عمتها وفوزية الجارة كانوا قاعدين جنب بعض على الكنبه ونازلين تقطيع ونميمة في واحدة جارتهم بنتها اتجوزت قريب

=جرى إيه يا فوزية دي جايبة تمنين فوطة وخمسين ملاية ليه يا اختي هتفتح مغسلة مكنتش اول ولا اخر واحده بتتجوز في الحاره يعني 

–آه والله يا أم أحمد والناس عامله تحكي وتتحاكا عنها والبت اصلا بطنها شبرين قدام تفتكري كانت عارفه في الحرام ولا عرفي 

=استغفر الله العظيم يا فوزيه عيب نجيب في سيره الناس احنا عندنا ولايا ياختي بردو بس الا سمعته أنها كانت ماشيه معه 

 في اللحظة دي كانت ماسكة في إيدها رزمة فلوس وبتعد فيها في ثانيه هتان لقطت المنظر وبمنتهى الخفة والجرأة مدت إيدها وسحبت الفلوس من بين صوابع عمتها في ثانية 

 اتخضت وبرقت 

–جرى إيه يا مفضوحة بتمدي إيدك على فلوسي ليه 

 حطت الفلوس في شنطتها ببرود وثقة وقالت لها

=فلوسك اي دي حقي أنتِي مش أخدتي إيجار الشهر اللي فات كله في جيبك ولهفتي ولا اننا اسَفّحناكم وخلاص مش عيب تأكلي مال اليتيم كدا عيني عينك وسط رادار الحاره كد اخس يا فوزيه اخس

 وشها جاب ألوان من الكسوف قدام أم أحمد وقامت وقفت وهي بتشرشح وبتشتم بهستيريا كانت هتان بتفتح باب الشقة عشان تنزل

–والله يا هتان ما أنتِ داخلاها تاني هي مش عمارة من غير بواب هي 

 لفت وبصت لها بطرف عينها وضبطت شنطتها على كتفها وقالت وهي بتحدف ليها بوسه 

=دونت وري يا فوزية.. معايا نسخة.. تي كير 

سابتهم وراها والشرار بيطلع من وش عمتها ونزلت السلم وهي بتضحك خرجت على الشارع الرئيسي واستنت لأتوبيس هيئة النقل العام لحد ما جيه وركبت وقعدت جنب الشباك وسندت راسها عليه وهي بتفكر هتفطر بطاطس سوري الاول ولا سندوتشات فول وطعميه زي كل يوم

نزلت من الأوتوبيس وهي بتبص في ساعتها ولقت أن المحاضرة هتبدأ بدأت تجري بأقصى سرعة عندها وشعرها بيطير لورا لحد ما وصلت لبوابة كلية الألسن وهي بتنهج وهي داخلة من البوابة الكبيرة وقفها فرد الأمن وهو مادد إيده

=الكارنيه يا آنسة لو سمحتي

 وقفت وهي حاطة إيدها على صدرها وبتنهج 

–نفسيييي أعرف أنا لو مش في أم المخروبة دي يا عم صبحي هاجي ليه هبيع لبن يعنى 

 ابتسم بطيبة وهو متعود على جنانها ولسانها 

=معلشي يا بنتي دي أوامر لازم نتأكد

 نفخت بقلة صبر وفتحت السوستة بتاعة الشنطة وطلعت الكارنيه 

=ماشي.. اتفضل الكارنيه أهو داخلين سفارة عشان كل الإجراءات دي والله حاسه أنهم قاتلين قتيل ومستخبين في الكليه 

بص في الكارنيه وهز راسه وهو بيضحك علي كلامها 

–ماشي يا بنتي ادخلي ربنا يوفقك

أخدت الكارنيه وطارت وهي تجري في الممرات وبين مباني الكلية وهي بتبص للسماء وبتدعي من قلبها 

=يارب دكتور كرشة ميكونش موجود يارب.. يارب والنبي ما أشوف وشه على الصبح 

وصلت قدام قاعة المحاضرات وهي قاطعه النفس من الجري زمايلها كلهم واقفين برة في الطرقة والباب موارب فرحت وافتكرت إن الدكتور لسة مجاش أخدت نفس طويل وبتعدل شعرها وبتدخل بكل ثقة لكن الصدمة كانت جوة..



 الدكتور كان واقف ورا المنصة ووشه قالب بسبب تأخير الطلاب وكلامهم التافه من وجهة نظره ضربت بايديها علي جبهتا وفهمت أن وزمايلها اللي برة دول كانوا المطرودين اصلا أول ما شافها داخلة ساب القلم من إيده وبص لها بنظرة وهزقها بصوت مسمع المدرج كله

=أنتِ فاكرة نفسك داخلة زريبة يا آنسه إيه التأخير ده كله يا هانم معاد حضورك كام والساعه كام في إيدك  

وقفت في مكانها وبلعت ريقها وبدأت تتهته

–10 ونص بس أنا آسفة يا دكتور.. أصل.. أصل...

قاطعها بزعيق وهو بيشاور بإيده على الباب بكل قسوة

=أصل إيه اتفضلي برة مشوفش وشك في المحاضرة دي تاني 

لفّت وشها وخرجت برة المدرج وهي الدموع هتفر من عينيها من الكسوف وفجأة الوجع اتقلب لدعاوى مشيت في الطرقة وهي بتربطم وتبرطم بصوت واطي ومغلول

=مش عارفة مين البهيم اللي خلاك دكتور أصلاً أنت كان آخرك صبي بهايم في سلخانة غور يا شيخ.. يتقفل في وشك باب الرحمة يا بعيد قادر يا كريم

 فضلت تمشي وهي بتدعي عليه لحد ما وصلت لكافتيريا الجامعه رمت الشنطة والكتب على الترابيزة وقعدت وهي بتنفخ من الغيظ والجوع اللي قرص على بطنها من المجهود الا هي عملته والخناقة مع عمتها على الصبح وجري الشوارع وطردة الدكتور طلعوا علي بطنها شاورت للعامل في الكافتيريا وبمنتهى البرود طلبت أكل يكفي عيلة بعيالهم كمان 

=هاتلي واحد قهوة سادة..و تلاتة شاورما واتنين بطاطس واحده بيبسي دايت اهاااا ومكترش كاتشب عشان القولون ما تنساش البيبسي الدايت 

قعدت سندت راسها على أيدها وهي مستنية الأكل وبدأت تطلع الموبايل عشان تشوف هتعمل إيه في يومها المقلوب ده 

=كله منك يا فوزيه عينك الماقوره دي هي إلا جايباني الأرض منك لله طفحتني اليوم قبل ما يبتدئ يا بعيده 

فجأة لقت اللي بتخبط على كتفها 

–إيه يا بنتي حفله الاكل اللي أنتِ عاملاها دي أنتي بقالك قد اي ما اكلتيش يا هتان 

الالتفاتة كانت لـ "رحمه" صاحبتها الأنتيم وبئر أسرارها اللي سحبت الكرسي وقعدت وحطت كتبها على الترابيزة وهي بتبص لـ "تلاتة شاورما واتنين بطاطس" بذهول من كميه الاكل 

 سحبت نفس طويل وأخدت أول قطمة من سندوتش الشاورما 

وقالت وبقها مليان أكل

–من امبارح بس بالله عليكِ أنتي كمان أنا جايبة جاز من على الصبح.. بلاش أنتي 

 بدقة وفضول سندت دقنها على إيديها

=اوبااا ده في حلقه من مسلسلي المفضل نزلت وانا معرفش أحكيلي بليييز .. العقرية عمتك عملت إيه تاني

هتان بلعت الأكل وأخدت رشفة من القهوة السادة

وبدأت تحكي بإيديها وتعبيرات وشها اللي كلها استفزاز وكيد وبسس يا ستي والنحس كمل معايا هنا كمان  دكتور كرشة طردني برة المحاضرة عشان اتأخرت خمس دقائق

رحمه كانت بتسمع وفي عزه سهوه هتان خطفت صباع بطاطس من قدام هتان 

=ولا يهمك يا بنتي فداكي المحاضرة والدكتور.. المهم إنك علّمتي على عمتك علقة محترمة على الصبح توديها المستشفى.. كلي كلي عشان ورانا محاضرة ترجمة بعد ساعة وعايزين نركز

–أكل اي يا مفجوعه أنتي خلصتي علي الأكل كله 

=اكل اي يا هتان أنتي كنتي داخله علي أيدي اصلا انا قايمه لاحسن تاكليني 

–اكلك اي يا رحمه وانتي شبه عصايه المقشه كد أمشي انا اتقفلت اصلا انا هروح الشغل عشان مش هيكون طرد وخصم كمان 

=خلاص ماشي طمنيني عليكي وابقي عدي علي راما عشان عايزنا عندها 

–راما تاني ومقالبها 

=لا مش مقالب دي عامله لينا مفاجاه 

 دخلت محل الملابس الحريمي اللي شغاله فيه المحل كان  عبارة عن شقة واسعة اتقلبت معرض فساتين سهرة وهدوم خروج الحيطان كانت مدهونة ألوان هاديه تعكس رقي المكان والستاندات الملابس مرصوصة ورا بعض بترتيت منظم


 والمكان كان ريحته عود طول الشيفت مكنتش بتعرف تقعد علي ثانيه واحده من الزحمه رجليها كانت بتنقح عليها من كتر الوقفة واللف بين الستاندات تظبط فستان مايل وتبديل مقاس مش مظبوط علي زبونه ست عايزة مقاس سمول وهي تلبس إكس لارج ودي بتفاصل في تمن الحتة كأنها في سوق الجمعة مش في مكان أسعاره مناسب لطبقه معينه



 كانت واقفة بابتسامة صفراء مجبرة عليها بتبلع ريقها وتسايس فيهم عشان شويه سمعه المكان وان ده شغلها ودماغها أصلاً كان فيها اللي مكفيها من الا حصل الصبح واللي كان قفلها وقرفها أكتر من الزباين هو صاحب المحل

 راجل أربعيني تخين ولابس قميص ضيق عليه يادوبك قافل عليه بالعافية وحاطط برفيم شبه ريحه الفنيك تقلب البطن 

 كل ما يلمحها واقفة في ممر ضيق بين فساتين السهرة يروح معدي من جنبها ويقرب بطريقة مستفزة ويبص لها بنظرات مستفزة ويقولها بصوت واطي وملزق

=شد حيلك يا هتان.. المحل من غيرك مضلم ده حتى الزباين بتشتري لما بتشوف ضحكتك 

–شكرا يا مستر طارق مدام لي زباين بتشتري من ضحكتي الساليري هيفضل واقف كد مش هيتحرك 

=دمك خفيف جدا الزبونة بتنهد عليكي روحي شوفيها 

جزت على أسنانها لحد ما وجعها ولفت وشها الناحية التانية هبدت شماعات الهدوم في بعض

=الله يقطعك ويقطع المحل ويقطع أبوك الا اتجوز أمك يا شيخه.. بني آدم لزج مش عارفه ياختي النسوان بتجري عليه ليه ده كفايه كرشه ده 

على الساعة تمانية بعد ما معاد شفتها خلص سحبت شنطتها وطلعت برة المحل أول ما رجليها لمست رصيف الشارع نفخت ووشها براحه وطلعت علبة الـ إيربودز (AirPods) من جيب الجاكيت وحطت السماعتين في ودنها وعلّت الصوت على الآخر على أغنية هادية تفصلها عن الدوشه لحد ما تروح كانت مستنيه الاتوبيس لحد ما الساعه جات 9 ولحد دلوقتي مجاش 

=منك لله يا طارق يابن تفيده أنت وعمتي في ساعه واحده لاا مانا مش هقضي الشهر اوبر بقا احنا ناخودها موتورجل أحسن 

فضلت ماشيه لحد ما دخلت في شارع جانبي ضيق شوية البيوت اللي فيه شبه معدومه الشارع كان هس هس مفيش فيه صريخ ابن يومين والنور الوحيد اللي كله فيه جاي من عمود إنارة قديم في النص بيعلق ويرعش يطفي

=هو يوم أسود من أوله شغل عفاريت وروايات مش جايه معايا ابوس ايدكم مش ناقصة أنا قولت هه كل عفريته بقا تلم ابنها عشان هما خمس دقائق وهخرج من شارعكم ارجوكم استحملوني تحبوا اشغل اغاني عشان تتسلوا معايا مرشدي ولا عصام صاصا 

العمود طفي مره واحده وقاد تاني 

=اممم ملكمش في الشعبي أنا قولت أنكم ناس محترمة أنا هسكت احسن 

اندمجت من مع المزيكا وفجأة.. من غير أي إنذار حست بهزة تحت رجليها ونور كشافات عالي وعنيف ضرب في عينيها من ورا وكسر ضلمة الشارع كلها شالت سماعة واحدة من ودنها وهي مخضوضة وسمعت صوت فرملة كاوتش

مروع علي الطريق كأن الدنيا بتتهد كان فيه مطاردة مرعبة دايرة في الحتة المقطوعة دي عربيتين جيب سود كبار من غير نمر طايرين ورا بعض بسرعة جنونية العربية اللي ورا زودت بنزين فجأة وكسرت على العربية اللي قدامها وراحت



 خبطاها خبطة جامدة من الجنب الضربة عملت صوت زي انفجار الرفرف بتاع العربية اتعجن لجوة والزجاج كله اتدشمل ووقع على الأرض حتت صغيرة بتلمع تحت نور العمود والعربية فضلت لفت حوالين نفسها مرتين لحد من طلعت الرصيف وخبطت في سور طوب اتثبتت في مكانها كأنها صنم وإيدها سابت الشنطة وقعت على الأرض 

باب العربية المعجونة اتفتح ببطء شديد وبصعوبة ونزل منها شاب في أواخر العشرينيات لابس قميص أسود متبهدل ومقطوع من عند الكتف كان بيطلع بالعافية وبيتحامل على نفسه إنه يقف رفع إيده المرتعشة وحطها علي راسه بيحسس على رقبته مكان الرصاصه شال إيده وفضل محمل علي رجليه وماشي 

كانت متابعه كل ده وشافت المنظر واتصدمت صوابع إيده كلها كانت مغرقانة دم والدم كان نازل بغزارة على ياقة قميصه وبدأ ينقط على الأرض

كان بيتلوى في مشيته وهو بيزق نفسه عشان يستخبي في اي حته بعيد عنهم لمحت عينيه ممر ضيق وضلمة كحل بين عمارتين متلاصقتين فدخل فيه بسرعة واستخبى ورا شوية صناديق خشب قديمة ومكسرة كانت مرمية هناك مفيش


 ثانيتين والعربية الجيب التانية وقفت وأبوابها الأربعة اتفتحت في نفس اللحظة نزل منها خمس رجالة ضخام وجثث لابس جـواكت غامقة ووشوشهم ولابسين أقناعه  أيديهم كانت ماسكه مسدسات سوداء ومركبين فيها كواتم صوت


 وحركتهم كانت سريعة ومنظمة بدأوا يلفوا حوالين العربية المخبوطة وعينيهم بتمسح كل شبر في الشارع زي الرادار بيفتشوا عليه واحد منهم بص على بقع الدم اللي على الرصيف


 =مش هيلحق يبعد.. الرصاصة صابته دوروا عليه في الممرات بسرعة متخلوهوش يخرج من هنا عايش أو حتي ميت 

في الوقت ده هتان كانت واقفة ورا جذع شجرة ضخمة على الرصيف التاني حاشرة جسمها وراها وكاتمة نفسها بكل طاقتها وحاطة إيديها الاثنين على بوقها عشان تمنع أي صرخة فزع ممكن توديها في داهية وتكشف مكانها 

وفجأة ومن غير ما تحس لقت إيد اتكتمت على بوقها من ورا ولفتها بسرعة ولقت مسدس متوجه عليها

=اممممم 


 كان فاكرها حد من الرجالة اللي بيطاردوه بس أول ما النور عمود الإنارة جه على وشها شاف ملامحها الرقيقة وعينيها الواسعة اللي بتلمع من الخوف.. عينيه علقت في عينيها وملامحه المشدودة اختفت وحل مكانها ذهول غريب كأنه تاه


 في تفاصيل وشها ونسي الرصاص والمطاردة والدنيا كلها المسدس رخ من أيده ونزل علي الارض وإيده اللي على بوقها اتسحبت ببطء ولمست خدها بنعومة من غير ما يحس في اللحظة دي سمع صوت رجالة برة بيتكلموا وصوتهم بيقرب


 وبيدوروا عليه أخدها بسرعة من إيدها، ودخل بيها من مدخل قديم واستخبي فيه كان مكان ضلمة وهادي الجدرانه عالية ومحوطاهم ومفيش فيه غير خيوط خفيفة من ضوء القمر نازلة عليهم من فوق والشاب كان وشه دبلان من التعب ونزيف رقبته مبهدل قميصه الأسود. بصلها بعمق وخطى خطوة واحدة ناحيتها وبص في عينيها وطلع صوته مبحوح ودافي وهو بيتكلم


Não me deixe..." (لا تتركيني).ومع آخر كلمة قواه خانته تماماً وعينيه غمضت وجسمه كله مال ووقع في حضنها لقت نفسها فجأة شايلة جسمه وراسه ارتاحت على كتفها ونفسه الدافئ بقا بيلمس رقبتها وهو غايب عن الوعي وريحة عطره ملأت المكان وحست بقلبها بيدق بسرعة من الخوف و من المشاعر الغريبة الا أول مرة تحس بيها في حياتها وهي ضماه في حضنها 

........................................


في حتة تانية بعيد عن ضرب النار

 راما وجنى كانوا قاعدين على السرير ماليين الأوضة بضحكهم وهزارهم ولا عندهم هم ولا شاغلهم حاجة في الدنيا فجأة الباب اتفتح بحدة ودخلت رحمه وهي ماسكة موبايلها في إيدها وعلى وشها علامات قلق بصت لهم بنظرة لوم وقالت بصوت عالي

=أنتم قاعدين تهزروا وتضحكوا كدا وهتان موبايلها مقفول لحد دلوقتي أنا عمالة أتصل بيها من بدري والخط غير متاح أنا قلقانه عليها جدا 

جني هزت كتافها ببرود وسحبت مخدة حطتها ورا ضهرها وقالت لها

–يا بنتي اهدي ممكن يكون الموبايل فاصل شحن ولا حاجة أنتِ عارفة هتان والموبايل بتاعها دايماً في الضياع زي صاحبته 

راما ادخلت في الكلام وهي بتفرك إيديها بحماس وقالت

=أيوة أيوه صح  فكوا بقى.. ما تيجوا نلعب أي حاجة لحد ما تيجي

رحمة لفت وشها وبصت لراما بشك وضيقت عينيها وقالت 

=تاني يا راما؟

 مشاكل تاني ومقالب من بتاعتك دي مش كفاية اخر مقلب مع الواد الا خلتيه يسيب خطيبته 

 كشرت وحطت إيدها في وسطها وقالت ببراءة مصطنعة

–مشاكل إيه بس يا رحمة وبعدين وأنا مالي حد قاله يكون شكاك كد واطمني يا ستي مش هنعمل مشاكل والله تعالى بس.. تعالى اقعدي جنبي هنا وأنا هفهمك

قعدوا كلهم على السرير في حلقة مقفوله وراما عينيها بتلمع بشرارة المقالب المعتادة بتاعتها بصت لهم بضحكة خبيثة وقالت

=تعالوا نتسلى شوية ونكسر الملل ده أي رايكم ؟

حطت إيدها في جيبها وطلعت خط موبايل جديد لسة بكرتونه وبصت لهم وقالت بفخر

=بصوا بقى.. الخط ده أنا جيباه من حد بيعهم  في الشارع، ومحدش يعرف عنه حاجة واصلا معرفش بتاع مين 

رحمة وجنى بصوا لبعض بقلة حيلة وراما بدأت تفتح الموبايل وتركب الخط بسرعة وهي بتدندن  قعدت تفكر لحد ما األفت رقم عشوائي في دماغها وضغطت على زرار الاتصال وحطت الموبايل على ودنها واستنت لحد ما الطرف التاني فتح الخط أول ما حد رد راما غيرت نبرة صوتها تماماً وخليتها حادة وغامضة  

وقالت بتمثيل متقن

=أنت فاكر لما تخفي معالم الجريمة كدا محدش هيعرف؟

 أنا عارفة كل حاجة 

وقبل ما الراجل اللي على الخط ينطق بكلمة أو يستوعب إيه اللي بيحصل راحت قفلة السكة في وشه مره واحدة رمت الموبايل على السرير وماتت من الضحك لدرجة إنها كانت بتدمع وجنى ضحكت معاها من تخيل رياكشن الراجل في خيالها لكن رحمة خبطت كف بكف وبصت لراما بنظرة عتاب وقالت لها

=مية مرة هتان تقولك بلاش المقالب دي وبلاش اللعب بمشاعر الناس يابنتي والله ممكن حد يموت أو يجيله سكته قلبيه من كلامك ده وأنتِي برضه مصممة يا راما بكرة تقعي في شر أعمالك وندبس كلنا

=يوووه في اي يا رحمه احنا بنتسلي وبعدين أنا مالي هما إلا قلبهم خفيف وكد كد ده هزار يعني اي مش بتهزري 

=بهزر بس مش بلعب في فرق 

–ولا فرق ولا حاجه كل واحد وليه طريقه هزار كلمي هتان شوفيها فين هنموت من الجوع 

=اها ونبي يا رحمه كلميها أحمد وصلني من غير ما يجبلي اي وجبه ولا سندوتشات أبلع بيها لحد ما ناكل مع بعض 

=نفسي اعرف انتي وهتان بتودوا الاكل ده كله بيروح فين في اني مصرف 

..............................................


في صاله بيت مفيش فيها غير النور الباهت المتسلل من شاشة التلفزيون كانت قاعدة على الكنبة حانية ضهرها وضامة رجليها لصدرها بكسرة عينيها علي الشاشة بس هي مش شايفة المسلسل اللي شغال ولا عارفه بيحكي عن أي هي شايفة شريط حياتها بيمر قدامها ملامحها كانت شاحبة ومع ذلك مقدرتش تخفي جمالها الرقيق وهالات التعب الا تحت عينيها بتقول إنها منمتش من شهور 

خرجت من المطبخ مشيت ببطء من قدام التلفزيون وبصت لبنتها بحسرة تقطع القلب وسحبت كرسي وقعدت جنبها الصمت عِمل عازل بينهم لحد ما جملات قطعت السكون ده بتنهيدة طالعة من قلبها 

=لحد امتى يا غزل؟

من غير ما تلف وشها من قدام التلفزيون 

–في إيه ياما في غسيل عايز يتنشر هنشوره حاضر.. يخلص المسلسل وهقوم

بحرقة قلب بتقدم جسمها ناحيتها

=هتفضلي لحد امتى كدة؟

لفت وشها لأمها وعينيها مليانة دموع محبوسة ومرارة

–ياما أنتِ حالفة ما تخليني مرتاحة أبداً 

=أنا يا غزل؟!

 ده أنا هموت وأشوفك مرتاحة بس مع اللي شاري.. مش اللي بايع كام فرصة جاتله لحد عنده ورفضك قدام الكل كام مرة تروحي تترجيه عشان يجي يتقدم لأبوكي ويرفض فكرك مش عارفة كل ده يا بنت بطني كسرِك ومستخسرة فيا الوجع يا غزل 

الكلمات نزلت علي جرحها فتحته انكمشت على نفسها أكتر وشهقت بدموع ونبرة مكسورة

–الدنيا هدّت بنتك.. مبقتش عارفة أقوم تاني ياما.. مبقاش فيا حيل مش بأيدي يام غزل 

قربت منها ومسحت دموعها بقسوة 

=تفي من بوقك بنتي لا عاشت ولا هتكون مزلولة لصرصار زيه ده حشرة تفعصيها برجلك وتمشي 

بصت لإيد أمها واتكلمت بكسرة 

–أهو الحشرة ده فعص بنتك بدل المرة عشرة ياما.. داس على كرامتي وكسر ضهري قدام نفسي قبل الناس مخلاش حته سليمه فيا تاخد بأيدي 

=ما عاش ولا كان ولا اتخلق الا يعمل كد .. بنتي طول عمرها ست البنات وست سته كمان كام مرة جات فرصة يختارك وماختاركيش يا قلب أمك عمره ما حبك ولا هيحبك..


 اللي زي ده مبيحبش غير نفسه وأنتِ كنتِ بتسقي أرض بور كنتي بتاكلي تعلب واول ما شبع اتشطر علي صاحبه يبقي نعمل اي نقطع عرق ونسيح دمه كمان 

خبت وشها بين إيديها وبكت بقهر وعياطها صوته كل مدي ومدي بيعلي 

–بس أنا حبيته.. والله العظيم حبيته أنا مكنتش بشوف عيوبه كنت بصلح وراه كل حاجه ليه يكون ده جزاتي 

=عشان غبية طول عمرك تدي وما تاخديش فين بنتي اللي كانت تنزل الشارع تقول "يا أرض اتهدي ما عليكي قدي.. لا جه زيي ولا هيجي بعدي" فين غزل اللي مخلية أبوها كل شوية يرفض عريس عشان معجباش فين بنتي اللي بمية راجل أسيبها وسطهم أرجع ألاقيها واحد منهم هه.. 

–موتها.. ومستناش يغسلها حتى .. دفنها حية 

=يبقى نقرأ عليها الفاتحة يا عين أمك الميت لا هيرجع ولا هينفع يتغسل بعد ما اندفن ادفني الماضي وفوقي لنفسك بنتي لا عمرها بقت ولا هتكون ضعيفه 

–ما عاش ولا كان الا يخليكي مكسوره بسببي يام غزل قولي لأبويا يوافق على العريس ياما 

وشها بينور من الفرحة وبتقرب عليها بلهفة

=أهي هي دي بنت جملات هاتي بوسة يا قلب أمك.. لوووووووووي 

اطلقت زغروطة سمعت الشارع كله وهي بتاخدها في حضنها وبتطبطب على ضهرها كانت ساكتة.. مستسلمة للحضن وعينيها لسة باصة للفراغ كأنها مضت علي شهاده موتها بايديها 

............................................


المكان مكنش مفيش فيه غير صوت نقط مية بتنزل من حنفية بايظة بتنقط بانتظام وبتعمل صدى صوت يقبض القلب نور الفلورسنت الأبيض كان بيرعش وعامل خيالات في السيراميك ومخلي الجو بارد ومخيف زي تلاجة الموتى بالظبط


 بيظهر وهو بيلهث ببطء ونفسه طالع وداخل بصعوبة وملامح وشه كانت جامدة ومفيش فيها أي رحمة كان مركز تركيز غريب كان لابس في إيديه جوانات جلد سميكة عشان تحميه وطى على الأرض ومسك جثة بنت المرمية من كتافها وبدأ يسحبها بجفاء وقسوة وهدومها  بتعمل صوت احتكاك خشن مع السيراميك المبلول بمنتهى الجبروت رفع الجثة وحدفها


 جوة البانيو فنزلت حتة واحدة وجسمها ارتمى من غير أي حركة وشعرها أتنكش وغطى وشها بالكامل انحنى وجاب كام جركن بلاستيك لونهم أسود ومقفولين فتح أول جركن بحرص وبدأ يدلق السائل فيه كان عباره عن (مية النار ومواد مذيبة كيمائية) فوق الجثة حتة حتة في ثواني و السائل بدأ يتفاعل ويطلع منه أبخار لونها أبيض ريحتها تخنق وبدأت


 الهدوم وجسم البنت  يتآكلوا في مشهد يقشعر له الأبدان فجأة شق السكون ده صوت رنة موبايل عالية جداً.. الموبايل كان محطوط على حرف الحوض وقف إيده ومنع الدلق وثبّت الجركن في إيده وبص ببطء ناحية التليفون مد إيده بالجوانت وسحب الخط وفتح المكالمة من غير ما ينطق ولا حرف وحط التليفون على ودنه وهو عينه منزلتش من جثه البنت وهي بتتحلل و على البخار اللي طالع من البانيو جه صوت بنت من الناحية التانية نبرتها كانت باينة فيها


الثقة وهي بتقول

=أنت فاكر لما تخفي معالم الجريمة كدا محدش هيعرف؟ 


أنا عارفة كل حاجة

والسكة اتقفلت في وشه فجأة (تووت.. تووت.. تووت) 

 نزل الموبايل من على ودنه ببطء شديد الخضة مظهرتش على وشه خالص


 بال بالعكس تماماً.. ملامحه المتنشنة بدأت تفك وتظهر واحده واحده  وعينيه بدأت تلمع بـشر غريب وارتسمت على شفايفه ابتسامة خبيثة باردة وفي منتهى الشر.. ابتسامة واحد عرف إن في صيد جديد رمى نفسه في جحره وإن اللعبة الكبيرة لسة بتبتدي 


=تك تك تك تك تك تك


•••••••••••••••••••••••انجوييي ي حبايبيي

📚 روايات ريمو
📖+21 هوسي 📖 وريدي المحرم 📖 نوفيلا عيار 24 📖 هتان+21

📚 الرواية

جميع أجزاء الرواية

📖 جميع البارتات

⏳ جاري تحميل البارتات...